نصر حامد أبو زيد

19

الاتجاه العقلي في التفسير

المزدوجة أولا ، وبحكم المكانة التي وضعتهم فيها الدولة الأموية بسبب طبيعتها العربية لا الاسلامية . وكان من الطبيعي ان يمثّل الموالي قطاعا كبيرا من قطاعات الثورة ضد الحكم الأموي ، ومن ثمّ انضموا للأحزاب المناوئة لهذا الحكم والتي كانت تمنحهم حقوقا مساوية لحقوق العرب الخلّص تحت راية التعاليم الاسلامية « وقد سبق الخوارج إلى ذلك ، فقبلوا الموالي في جماعتهم وفي جيشهم ، وجعلوهم على قدم المساواة مع العرب . وقد ترسّم الشيعة خطى الخوارج في ذلك ونجحوا أكثر منهم بكثير » 25 . ويبدو أن إعلان مقولة « الجبر » كنوع من التبرير الديني ، كان القصد منه أن توحي إلى أتقياء المسلمين « أن اللّه قد حكم أزلا ان تصل هذه الأسرة إلى الحكم وأن ما يعملون ليس إلا أثرا أو نتيجة لقدر إلهي محكم » 26 ولذلك وقف خلفاء بني أمية موقفا غاية في العنف من أولئك المفكرين الأوائل الذين قالوا بحرية الإرادة الانسانية وبمسئولية الانسان عن فعله . فالخليفة عبد الملك بن مروان لم يتورع عن قتل معبد الجهني ( ت 80 ه ) ولم يتورع خالد بن عبد اللّه القسري أن يذبح الجعد بن درهم ( ت 120 ه ) أسفل المنبر بعد صلاة العيد . وكلاهما ذهب إلى « القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر » 27 أما غيلان الدمشقي ( ت 99 ه ) فقد قتله هشام بن عبد الملك أيضا . وتنسب المصادر إلى معبد الجهني أنه أخذ فكرته في القدر عن معلّم نصراني لا تتفق في تحديد اسمه 28 ، أما الجعد بن درهم فقد « كان يقيم بدمشق إذ كانت له دار بالقرب من القلاسين إلى جانب الكنيسة » 29 . وجدير بالذكر أن الجعد بن درهم كان مؤدّبا لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ، وذلك أيام كان واليا على الجزيرة وقبل أن يتولى الخلافة وفي هذا دلالة على ثقافته وسمعته الطيبة . ولقد كان من الطبيعي أن ترتبط مقولة « التوحيد » ونفي مشابهة اللّه للبشر بمقولة « العدل » ومسؤولية الانسان عن أفعاله منذ البداية ، وذلك رغم التعارض الظاهري بينهما . ويبدو هذا التعارض في توهّم أن القول بحرية الإرادة الانسانية يعني الحدّ من حرية الإرادة الإلهية ، أو التعارض معها على الأقل . ولقد كان الوجدان المسلم أقرب إلى التسليم بحرية الإرادة الإلهية حرية مطلقة ، وباعتبار الإرادة الانسانية محكومة بإرادة اللّه القادر على كل شيء وخاضعة لها . وبدت أفكار معبد الجهني والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي غريبة على التفكير الديني حتى « تبّرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد اللّه بن عمر ، وجابر ابن عبد اللّه ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، ؛ وأنس بن مالك ، وعبد اللّه بن أبي أوفى ،